نظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني وتحديات الفشل/احمد سالم سيدي عبد الله - كاتب صحفي

أربعاء, 08/12/2020 - 23:39

خرجت حكومة الوزير الأول محمد ولد بلال بعد عدة أيام من الإنتظار، كانت مليئة بالتوقعات التي ذهبت أدراج الرياح، فقد خرجت الحكومة نسخة من سابقتها، مع تطعيمها ببعض رجال نظام ولد الطايع، وتلك ميزة يدرك المتتبع لنهج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله للسلطة التحلي بها، فقد ركز في اختياره للأشخاص الذين كلفهم بأدوار ساسية أو تنفيذية حساسة على انتقاء بعض وزراء ولد الطايع أو ولد الشيخ عبد الله، ربما يكون ذلك عائدا إلى عدم ثقته في رجال العشرية المنصرمة، أو لعدم معرفته بالنخبة السياسية، وهو ما سيجعل الرجل دون شك رهينة لتفكير رجال مرحلة كانت على الدوام مثار جدل كبير..
عوامل النجاح..
مما لا شك فيه أن السنن والتجارب تفرض على أي نظام جديد تكوين طاقمه الخاص، ويجب أن يكون ذلك الطاقم خال من الشوائب التسييرية والسياسية، حتى لا يكون رهينة لتفكير وتخطيط رجال نظام سابق..، وهو الأمر الذي لم يستطع الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القيام به حتى اللحظة، وإن استطاع عبر التشكلة الجديدة إخراج أبرز رموز نظام سلفه من الواجهة التنفيذية على الأقل، لكنه وقع رهينة رجال أنظمة سابقة قد يكونون أكثر خطرا على نظامه من رجال العشرية الأخيرة..
 يمكن اعتبار التشكلة الجديدة خروجا على إكراهات المرحلة السابقة، وما حملته من صداقات، وتحالفات انتخابية..، لكنها فتحت الباب واسعا أمام تحديات سياسية جديدة سيكون على النظام مواجهتها بحكمة، حتى لا تكون عامل عرقلة أمام تحقيق الأهداف المنشودة..، والتي من أبرزها خلق نهضة شاملة، تركز على تنفيذ البرنامج الطموح الذي تقدم به رئيس الجمهورية خلال الحملة الإنتخابية، والمعنون ب"تعهداتي" فثمة عمل كبير تعثر خلال السنة الأولى من المأمورية، ويتطلب القيام به انطلاقة وقوية، يصحبها هدوء سياسي، واجتماعي، تنتج نهضة اقتصادية سريعة، تركز على تطوير الزراعة، وتنمية القطاعات الإنتاجية، والعمل على خلق قطاع صناعي فعال يساهم في التخفيف من أعباء البطالة التي تدمر مستقبل الآلاف من الشباب الموريتاني كل عام، ناهيك عن العمل على تطوير برامج التعليم لتواكب متطلبات السوق، وتكون عامل مساعدة في تطوير الأبعاد التنموية، والتي يجب أن تنطلق من ضرورة تكوين جيل قادر على الخدمة في ميادين الاستصلاح الزراعي والصناعات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما سيمكن البلد من التطور في فترة مقبولة من الناحية الزمنية..، إذا ما تم التركيز على تصنيع المواد الخام التي يقوم البلد بتصديرها إلى الأسواق العالمية، كما يجب على الحكومة التركيز على تحسين مستوى الخدمات الصحية، وجعلها في متناول المواطن البسيط، ومنع الأدوية المزورة من دخول البلد؛ وهو ذات الشيء الذي يجب تطبيقه بالنسبة للمواد الغذائية المستوردة، مع أن إبعاد وزير التجارة السابق عن قطاعه حمل رسالة سلبية للمواطن، حيث يمكن اعتباره خضوعا لرجال الاعمال الذين ضايقتهم قرارات الوزير الصارمة..، هذا بالإضافة إلى ضرورة، خفض أسعار المحروقات، والمواد الأساسية، وزيادة الرواتب، وإعادة الإعتبار للموظف العمومي، وتقريب الخدمات من المواطن، وخلق تقارب بين الإدارة والمواطنين الذين ينظرون إليها نظرة غريبة يمكن وصفها بأنها أقرب إلى اعتبارها إدارة تابعة للمستعمر، ولا علاقة لها بالوطن، وهو إرث توارثه على ما يبدو المواطن والإدارة على حد سواء..
أبرز تحد..
كل الآمال المعلقة على الحكومة قد تكون في مهب الريح إذا لم تجد الأرضية المناسبة للعمل وتنفيذ برنامج الرئيس، فعودة التجاذبات السياسية المتشنجة، والصاخبة، قد تشغل الحكومة عن تنفيذ برنامجها، وتجعل كل الآمال المعلقة على برنامج الرئيس في مهب الريح، خاصة مع شعور المعارضة التقليدية بحرمان أطرها من الوظائف غير السياسية..، وغياب رؤية تدعم فتح حوار سياسي، واجتماعي، يمكنها من تقديم رؤيتها للإصلاح، ويجعلها شريكا حقيقيا في حل بعض القضايا العالقة خصوصا فيما يتعلق بالملفات الملحة كملف الوحدة الوطنية، وعلى رأسه قضية العبودية التي تعد من أكبر القضايا التي قد تكون سببا في انهيار كيان الدولة إذا لم تتم معالجتها عبر خطة توافقية جامعة وبشكل سريع..
يمكن أن يقول البعض إن غالبية أحزاب المعارضة الآن في تشاور مستمر مع النظام عبر تنسيقية الأحزاب الممثلة في البرلمان، وعبر اللقاءات شبه الدورية مع رئيس الجمهورية، لكن هذا التنسيق يمكن وصفه بالهش وغير القابل للبقاء إذا لم يشفع بعمل تشاركي حقيقي..، كما أن تنسيقية الأحزاب، عرفت انسحاب حزب تواصل الذي يمتلك زعامة المعارضة، وتلك أول نواة لبلورة تمايزات داخل الساحة السياسية، قد تدفع بعض أحزاب المعارضة إلى الإلتحاق بالأغلبية، في ظل بوادر التململ داخل هذه الأخيرة، وهو ما يمكن أن يقود إلى تشكل قطب معارض جديد يتولى التصدي لنظام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، خاصة إذا ما فشلت حكومته في تنفيذ برنامجه..
المعارضة المحتملة..
أعتقد أن جميع المعطيات تشير إلى ان معارضة قوية للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ستتشكل لا محالة في فترة قد لا تطول كثيرا، وستتكون من داعمين سابقين للرجل قد يكون من بينهم أحزاب معارضة دعمته في الإنتخابات الرئاسية، ولم تجد مكانتها، بالإضافة إلى الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وأنصاره إذا ما استمر النظام في مضايقتهم، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية الذي تفرض عليه مكانته الحالية كقائد للمعارضة البقاء فيها، وتحالف حركة إيرا وحزب الرك الممنوعين من الترخيص بقيادة المرشح الذي حل ثانيا في السباق الرئاسي الأخير بيرام الداه اعبيد، وتحالف القوى التقدمية للتغيير بقيادة اتيام صمبا، هذا التحالف في حال تشكل، واستطاع الوصول إلى العمق الإنتخابي الذي أوصل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى السلطة والمتمثل في الولايات الشرقية التي تعرف تذمرا كبيرا يلاحظه المتتبع العادي، إذ ترى غالبية النخبة والساكنة البسيطة فيها أن الرئيس عمل على إقصائها من الجهاز التنفيذي منذ تسلمه مقاليد السلطة في البلد، سيمثل هذا التحالف تحد حقيقي للرجل الذي أحاط نفسه برجال قاب قوسين أو أدنى من التقاعد خدموا أطول ناظم مخزني حكم البلاد، يتقنون فن التزلف، وتزييف الوقائع، وهو ما سيجعله معزولا عن الواقع، وما يتطلب من ديناميكية لحلحلة تحدياته المتسارعة..، ومع تشكل تحالف معارض قوي، قادر على الحشد وتأزيم الساحة السياسية، وإبراز نقاط ضعف، وفشل النظام، وقيادة الإضرابات العمالية، والطلابية، سيكون الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمام ثلاث خيارات لا رابع لهما: 
- الرحيل عن السلطة بشكل مبكر قبل انتهاء مأموريته تحت ضغط الجماهير وتعثر عمل حكومته، بسبب الانشغال في إدارة الأزمات السياسية، وغياب الرؤية الواضحة لحل مشاكل البلد، لدى الرجال الذين اختارهم لتنفيذ برنامجه الانتخابي.
- إكمال مأموريته الأولى وهو منهك بسبب الضغط الممارس عليه من طرف الشارع وخصومه السياسيين، والذهاب طواعية دون الترشح لمأمورية ثانية.
- الخيار الثالث وهو الأخطر أن يتحول الرجل إلى دكتاتوري يقمع معارضيه، السياسيين، ويسجنهم، وتلك عاقبة وخيمة سيجد في محيطه من يروجها ويكررها على مسامعه، لكنها ستقوده في النهاية إلى الرحيل عن السلطة عبر بوابة انقلاب عسكري قد يكون سلميا، وقد يكون غير ذلك لا قدر الله.
قبل كل هذا وذاك يمكن لولد الشيخ الغزواني أن يكون قائدا لنهضة حقيقية في موريتانيا، وذلك هو الأمل الذي يسكنني وأتمسك به، وأرفض أن يتلاشى..، لكن ذلك يتطلب تشكيل طاقم خاص به، لم يسبق له أن تورط في خدمة أنظمة رجعية دكتاتورية فاسدة، بالإضافة إلى وضع معاييرواضحة وشفافة، تعزز من مكانة مؤسسات الدولة، وتحد من صلاحيات بعض الأفراد والأجنحة، المتنفذة في نظامه والتي استطاع بعضها تصفية بعض خصومه، وما زال بعضها الآخر يتصارع أمام ناظريه، دون أن يتدخل بشكل حازم لوقف ذلك.
إن أي نهضة منشودة تتطلب بيئة هادئة وإشراكا للجميع، ومراقبة صارمة ودقيقة، واختيار طاقم يمتلك الخبرة والتجربة والنزاهة التسييرية، والسياسية، ومحاربة جادة للفساد تنطلق من مبدأ ثابت وشامل يطبق على الجميع، وبعيد كل البعد من جميع أشكال الانتقائية، حتى لا تكون مجرد شعار لتصفية الحسابات مع الخصوم السياسيين، مثل ما حصل في السابق..
أحمد سالم سيدي عبد الله 
كاتب صحفي.

القسم: 

وكالة المنارة الإخبارية