سيرة الإمام الأمين ولد أحمد ولد الحارث الشقروي/بقلم الأستاذ سيدي عبد الله ولد الحارث

اثنين, 01/18/2021 - 22:03

في المرات الماضية ترجمنا لعدة شخصيات من أهل بَانْبَلَّيْ منهم أحمد ولد الحارث وزوجه السالمة بنت أحمدو ولد محنض و ابنتهما  مريم و أخيها أحمدو _ رحم الله الجميع _ و اليوم نترجم لابنهما الأصغر الأمين ولد أحمد ولد الحارث و ذلك من خلال العناوين التالية: 
1 - التعريف به
2 - سيرته
3  - عبادته
4 - حفاظه على نظامه الصحي و الغذائي .
5 - صفاته
6 - وفاته .

و قبل أن ندخل في تفاصيل هذه العناوين أود أن ألفت انتباه القارئ الكريم إلى أن هذه الترجمة قد تخلو من العزو لأي مصدر فلما ذا ؟ .
لأني عايشت صاحبها عن قرب على مدى عشرة أعوام فقد كنت خُوَيْدِمَه و غُلِيَّمَه الذي يقوم على شؤونه فكنت أغسل له ثيابه و أحلق له رأسه و أصنع له الأتاي ؛ و كنت نديمه و سميره . و إن كان شاركني فيها بعض إخوتي لكني أكثرهم ملازمة له .
 و فضلا عن ذلك فقد كان هو لي الوالد فلا أبالغ إذا قلت إني ما عرفت والدا غيره؛ فقد افتقدت والدي في الثلث الأول من عام 2001 و أنا ابن 11 سنة ؛ فأنساني وجوده معي فقد الأب و لوعة اليتم .
إنه عمي الذي كان حريصا على أن يفيدني بكل شيء حتى قبل وفاته بنحو ثلاثة أشهر بعد أن بدأ فيه المرض تصفح بعض دفاتري فوجد فيها بياضا فقال لي اكتب : 

مَغْنَى الرَّبَابِ مُرِبُّ جَوْنِ رَبَابَهِ - أَوْدَى بِهِ مِنْ بَعْد بُعْدِ رَبَابِهِ

 فأملاها علي من حفظه و قال لي : " *ول ازواي احفظ العاكرات احفظ ش* " . 
و كنت عنده في منزلة خاصة فكان يداعبني و لا يناديني إلا ب *اسْوَيْدِي* و لا زال صوت ندائه بها لي يرن في أذني الآن رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح جنانه و ملأ قبره روحا و ريحانا .
لذلك لا غرو إن تضمنت هذه الترجمة من التفاصيل ما لم تتضمنه غيرها ؛ و لا غرو إن وجدت فيها وجدانيات لم تقصد لذاتها ؛ فمن يكتب عمن يعرف عيانا ليس كمن يكتب عمن يعرف سماعا . 

*التعريف به*

هو الأمين ولد أحمد ولد الحارث ولد محنض ولد سيدي عبد الله ولد اشتفغ المختار ولد محنض ولد بانبلي ولد الفالي ولد يدمهم الشقروي .
و أمه السالمة بنت أحمدو ولد محنض ولد سيدي عبد الله ....... إلخ .
وُلِدَ الأمين و هو أصغر إخوته عام 1924 في منطقة رقاب العقل  الواقعة في الشمال الغربي من مقاطعة اركيز ؛ و نشأ و تربي في كنف والدية تنشئة مدللة .

*سيرته*

يمكن القول من خلال تبع مسارة حياة الأمين أن حياته تقسمت بين طلب العلم و التكسب و التفرغ للعبادة ؛ فابتدأها بطلب العلم ثم توسطها بالتجارة و في آخرها اعتكف في المسجد جل وقته  و تفرغ للعبادة .
و سنبدأ الآن بالقسم الأول من حياته و هو طلبه للعلم .
نشأ الأمين و تربي بين كنفي والديه فتلقى على يديها مبادئ العلوم الشرعية و اللغوية فقرأ على والدته القرآن الكريم و نظم المغازي و روض الأنف .
كما قرأ بعض المتون الفقهية 
 و زاد عليها؛ لكنه رغبة في  التفرغ للدراسة و الابتعاد عن مشاغل الأهل و الحي التي تحول دون الانتظام للدراسة قرر  أن يلتحق بمحظرة أهل آلا حيث درس على الشيخ أحمدو ولد محمدو حامد ولد آلا الحسني الشعر الجاهلي؛ كما التحق بمحظرة أحمدو ولد محمد محمود ولد فتى الشقروي ودرس فيها بعض المتون الفقهية .

ثم بعد ذلك اتجه لممارسة التجارة في السنغال و مكث فيها زهاء ثلاثين سنة لا يغادرها إلا في إجازات قصيرة ثم يعود لها ؛ و في إقامته في السنغال غيَّر نمط حياته الاجتماعي و الثقافي فتزوج من أُلْفِيَةٍ سنغالية مكث معها فترة من الزمن، و لم تنجب له و لم يتزوج غيرها .
 كما تعلم مبادئ اللغة الفرنسية و اقتنى كتبها و حتى تفاسير القرآن الكريم باللغة الفرنسية .
ثم عاد إلى أرض الوطن و بدأ ممارسة التجارة من جديد في مدينة كيهيدي جنوب موريتانيا و أحيانا يذهب إلى انواكشوط . 

ثم بعد ذلك توجه من السنغال إلى المملكة العربية السعودية  لأداء العمرة و فريضة الحج  عام 1990  فأقام بها زهاء أربعة أشهر حتى حج و اعتمر ؛ ثم عاد منها يحمل بعض الكتب و المنشورات الدعوية لدعاة و علماء بلاد الحرمين مثل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ؛ و الشيخ عبد العزيز بن باز و وغيرهما  _ رحمهما الله _ .
و قد أثرت فيه من الجانب الروحي دون الفقهي فقد ظل معتمدا فيه على ما درسه في صباه من نظم ابن عاشر و متن الرسالة و مختصر الشيخ خليل إلا أشياء يسيرة .
و رغم إعجابه بالمذاهب الأخرى خاصة المذهب الحنبلي  فقد ظل متمسكا بالمذهب المالكي إلى حد التعصب له ؛ و طالما أبدى أسفه على انحساره أمام انتشار المذاهب الأخرى عازيا ذلك إلى عدم وجود رعاية رسمية له ؛ و كان في أحاديثه يقول ليت المغرب و موريتانيا يحاكيان السعودية في نشر و طباعة كتب المذهب المالكي و تقريبها للناس .

و في العقد الأخير من حياته تفرغ للعبادة فهو أول من أحيى سنة الاعتكاف في مسجد قريته عين السلامة التي أقام بها عقده الأخير إمام الجماعة في الخمس و الجمع و العيدين و التراويح؛ و أول من صلى الظهرين في أول الوقت على غير عادة أهل البدو الذين يؤخرون الظهر حتى الساعة الثالثة في جميع الأزمنة؛
و لقد يسر الله له الحج مرة ثانية عام 2005 فحج رفقة حبيب الله ولد أغم الذي كان من خاصته ؛ و كان مقيما في داره في انواكشوط لعدة سنوات؛ و كان يقول لي إنه ممن يسأل الله له عن ظهر غيب  .
و كانت له رحلة  كل عام إلى انواكشوط و روصو يصل فيها أرحامه و أهل مودته ؛ و لا سيما ذرية أخته مريم يتتبعها فردا فردا بالسلام في الغالب الأعم .

*عبادته*

كان له اجتهاد في العبادة بين تلاوة القرآن الكريم  و اعتكاف و مطالعة كتاب .
و كان له تجديد فقهي في قريته يحسب له و هو إحياء الصلاة في أول الوقت و إحياء سنة الاعتكاف في المسجد . 
فكان يصلي في أول الوقت خاصة الظهر و العصر و لو أدى ذلك لفوات الجماعة و قد دخل فيه نقاشات مع جماعة المسجد فإذا دخل الوقت أذن و صلى سواء وجد جماعة أم لم يجدها !!
 و إن جاءت جماعة المسجد صلى معها صلاتها بنية النافلة ؛ فكان يصلي الظهر بين الواحدة و النصف إلى الواحدة و الربع في فصل الشتاء و في الصيف الساعة الثانية .

أما الاعتكاف فكان المسجد قبله لا يفتح إلا من صلاة لصلاة أما بعد مجيئه هو فصار يفتحه فجرا و يغادره بعد الإشراق  ثم يعود له ضحى و لا يغادره بعدها إلا بعد العاشرة ليلا .
و كان يعمر وقته فيه بالذكر و الصلاة و تلاوة القرآن الكريم  و مطالعة كتب له من الفقه و السير و التفسير  و الأدب مثل مختصر شروح الشيخ خليل و الرسالة و كتاب الحيوان  .

و كان يحي أول الليل في المسجد بين المغرب و العشاء و يسمر بعد  العشاء معنا غالبا إن لم يكن له شغل ؛ على أخبار المغازي والسير و شوراد اللغة و مستجدات الأخبار العالمية؛ و غالبا ما تكون الوالدة هي التي تقرأ له من القاموس إذا كان يبحث عن معنى كلمة فيه ؛ بينما كان دوري أنا هو نقل ملخص أحداث ذلك اليوم لا سيما أخبار العراق و فلسطين و لعله شيء يجاملني به لما رأى تعلقي بالإذاعة في تلك الفترة و لا سيما BBC العربية .

أما آخر الليل فيُحيه في بيته و لقد استيقظت عليه مرة في هزيع  الليل الأخير يناجي ربه عز وجل في تضرع و خشوع جاثيا على ركبتيه رافعا يديه فوق رأسه .
و كان يصوم النوافل لم يتركها خاصة ست من شوال و يومي التروية و عرفة و غيرهم من النوافل . 
و لقد أوجز ذلك ابن الخالة الأستاذ أحمدو يسلم ولد محمد ولد الشيخ ولد أحمد جدو حين وقف في مسجد عين السلامة معزيا و قال : 
*أُعزي في هذا المُكْرَم الأهل و المسجد و الوقت و الحرص على الحج ؛ أعزي فيه المسجد لأنه قلبه كان معلقا به لا يكاد يغادره إلا ليعود إليه ؛ و لقد كان يوقظني عند الساعة الرابعة فجرا لأذهب معه إلى مسجد المعهد العالي لنصلي فيه الفجر على بعد المسافة بيننا و بينه* .
*و أُعزي فيه الوقت لحرصه على الصلاة في أول الوقت فقد أحيى سنة كانت ميتة* .
*و لقد حج بيت الله مرتين و لم يكن أكثر مالا من أحد لكنه استشعر وجوبه فحرص على أدائه* .
*رحمه الله رحمة واسعة و أسكنه فسيح جنانه* . انتهى كلامه .

و كان يقوم على شؤون المسجد بنفسه ينظفه و يكنسه و يصلح حظيرته يوم كانت من الخشب قبل أن تصير سياجا مدعما بأعمدة الأسمنت المسلح .
فكان يذهب بنفسه على كبر سنه و يأخذ القدوم و يختار أجود أنواع الحطب من شجر القتاد و الإهليج و يقطع منها حاجته مهما كلف قطعهما من المشقة و العناء و أحيانا يكلفنا بذلك و آخر مرة قمنا له بها  خريف عام 2008 و لا زال بعض ذلك الخشب موجودا إلى اليوم .
و بعض هذه الأمور هي ما أشار له الأخ و الأستاذ و الشاعر جلال الدين ولد الشيخ أحمد في مرثيته له حيث يقول :
 
‏لمين امش يعطيه ذاك - ال في جَنَّ يزهال 
 يعطيه الل ماكان شاك - وِضاعف ل فعمال 
 
كان اعل دين عاس حاس - ان اشبه فيه إتم عاس 
ذ مسل تشهدلو الناس - اعليها معروفال 
ومل كان إلى نكاس - فالحكم الل يزكال 

ومع ذ قايم كان زاد - اعل لمسيد أكان ماد  
ليد اللمسيد أكان جاد - زاد افتنظيم احوال  
طَبِّ يسو ما عاد كاد - ينفظه ينفظهال  
ألا كط الكَلَّ كون عاد - إظل إمتنهال 

وظل إطيب فيه فم - وظل إكيم كل علم  
والدني عند ما تهم - واركيك عند أمثال 
يخلاو أهله ما اعلم - ما لحگو منه وال 
  
أذاك الزهد الل كام بيه - مات اعكب بعد اللاعليه 
والمال العند كان فيه - ينفق وحج ؤبال  
ما دار شور المال بيه - الل مايعبد مال‏

و الغيبه ما يغتاب حد _وَهِلها بيهم ماايگد
و امعاهم ماهو گاع گد _ يغير العلم إلالو
نَتِرْتو مده ذاك بعد _ يطرحلو هو بالو
و انگد انتم إلاانعد _ فغنايَ من خصالو
وِتمو-وَ اسوى ززت حد _ رثاه-إلا مزالو

و لا بأس أن نشير  إلى أسماء من درسوا عليه رغم أنه لم يجلس للتدريس يوما و لم تكن له تلامذة يفدون عليه من خارج حيه فقد درس عليه بعض ذويه في العقد الأخير من حياته أبوابا من نظم ابن عاشر ؛ و أولهم أحمد سالم و أحمدو (الصحفي) ابني محمد الأمين ولد أحمد الحارث؛ و كاتب هذه السطور ؛ و كانت معي تمن بنت محمدن يسلم ولد عبد الجليل درسنا عليه معا؛ ثم بعد ذلك إخوتها الشامخ و عبد الله ؛  و الشيخ ولد أحمدو سالم ولد عبد الجليل .
كما قرأ عليه الشيخ أحمدو ولد محمدن ولد الداه بعض المعلقات السبع .
و عن صاحب الترجمة يقول تلميذه أحمدو (الصحفي) : 

*لقد عرفته عن قرب و استفدت منه و من مكتبته التي جلبها معه بعد الحج بل و أهداني بعضها مثل كتابي الصيام و تحفة الأبرار في صحيح الأذكار للشيخ بن باز رحمه الله ؛ و بعض كتب ابن عثيمين* .
*و كذلك كتاب مختصر العقيدة الإسلامية من الكتاب و صحيح السنة ؛ و كتاب قطوف من الشمائل المحمدية؛ و الآداب و الأخلاق الإسلامية كلاهما لمحمد جميل زينو .
رحمه الله الجميع  برحمته الواسعة* .

*حفاظه على صحته و غذائه*

و كان رحمه الله حريصا على صحته و نظافته فكان يباعد بين الأكل و الشرب فإذا أكل لم يشرب حتى تمضي ساعات و إذا شرب أخر المأكل حتى ينقضى على الأقل ساعة من الوقت؛ و كان يكره السُّلْفَةَ و اللُّهْنَةَ قبل الغداء و العشاء إلا أن تكون غبوقا .
و كان اقتياته المفضل اللبن و إلا فما تيسر؛ و كان لا يشرب من المذق إلا ما كان خاثرا حلوا تكاد الأصبع تحمله ؛ و إلا فماء قُراح صِرْف أو لبن خالص مَحْض  .
و كان لا يشرب من الأتاي إلا ما كان عالي التركيز قليل السكر لونه يترواح بين الحُمْرة و الدُّكْنة ؛ و كان ينظم شرابه له فلا يشربه إلا وقتي الفطور و الغداء إلا أن يكون صائما .

و كان رحمه الله مدرسة في النظافة و الأناقة فكان شديد الحرص على نظافة بدنه و ثوبه و طيب رائحتهما كثير الاعتناء بالسواك يقضى فيه وقتا طويلا قبل الوضوء .
و كان يستحم في اليوم الحار مرتين إلى ثلاث و في اليوم الشاتي مرة واحدة ؛ و كان يغسل ثيابه كل ثلاثة أيام ؛ و يحلق رأسه كل أسبوعين و يهذب لحيته و شاربه كل جمعة .  
و كان يقوم بالرياضة كل يوم بعد صلاة الفجر فيقطع مسافة 3 كلم ذهابا و إيابا .
و من شدة حفاظه على نظافته أنه قبل وفاته بساعات بعد أن أرهقته الحمى طلب أن يُدخل الحمام و أن يُسحم و يُوضأ فقام له بذلك ابن أخيه محمد محمود ولد أحمدو ولد أحمد و محمدو الراجل ولد عبد الله ولد أحمد فسحَّماه و وضَّآه .

*صفاته*

و كان مهاب الجانب قليل الكلام تعلوه الهيبة و الوقار؛ و كان لا يحب كثرة المزاح بل ينهى عنها و يقول إن كثرتها تزري بالمروءة؛ و قد أخذ يوما بيدي و قال لي إياك و كثرة المزاح فإنه من آفة الرجولة يجرئ عليك السفهاء و الدهماء .
 و كان لا يتجرأ كل أحد على مفاتحته معتزلا عن الناس في غالب أوقاته خاصة في العقد الأخير من حياته الذي عايشته فيه عن قرب . 
و كان صارما صدوعا بالحق و إذا رأى من شخص ما يعجبه أشاد به كما يفعل دائما مع الولد محمدن السالم ولد حبيب الله ولد أحمدو ولد الأمين ولد سيدي الفالي الذي كان من خاصة خاصته فكان يقول لي إنه ممن يُفرده بدعوة خاصة عن ظهر غيب .

و محمدن السالم لا يتسع المقام لذكره مناقبه لأنها تحتاج إلى عدد أيام عمره ليكتب عن كل يوم على حدة - مد الله فيها أعواما عديدة و أزمنة مديدة في صحة و عافية دائمتين -  ؛فلو لم يكن له من المآثر إلا حسن الخلق و حلاوة الجوار لساد بهما فكيف به و هو مع ذاك جواد منفق وصول للأرحام ذو كرم و مروءة و حزم و عزم و مجاهدة ؛ يجتهد في صلاته و صيامه و له ورد من قيام الليل؛ و قل أن تخطئه صلاة في جماعة و و وقته بين حسنة ميعاد و درهم معاش ؛ و لا يخوض مع الخائضين في القيل والقال؛ يصدق فيه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده" .
و إني لأحسبه كذلك و لا أزكي على الله أحدا؛ حفظه الله و ثبته على ذلك و تقبل منا و منه : 

و فيه يقول والدنا الخال الشيخ أحمد ولد بباه - مد الله في عمره - : 
السالم زايز كل حد - فالتعدال ومسالم 
والسالم ماه كيف حد - سعدك يلكيف السالم

و حسبنا من أخبار محمدن السالم هذا الموجز لنعود الآن للحديث عن صاحب الترجمة .

*وفاته*

قبل الحديث عن وفاة الأمين لا بد أن أتحدث عن أمنيات طالما تحدث بها و  قد حققها الله له منها أن لا يموت موت فجأة و أن لا يعيش أرذل العمر ؛ و قد حقق الله له هاتين الأمنيتين فلم يعش أرذل العمر فهو بحمد الله لم يصب بالخرف و لم يفقد حاسة من حواسه و لم تصبه أي عاهة في بدنه و قد عاش تسعين سنة قمرية ؛ و على ذكر الخرف فقد سمعت _ و الله أعلم _ أن أهل القرآن لا يصابون بالخرف ؛ و هو كما مر معنا كانت سيرته حافلة بقراءة القرآن الكريم .
و أما وفاته فلم تكن مفاجئة فقد بدأ فيه المرض خفيفا في شهر مارس 2011 ؛ ليتبين لاحقا أنه سرطان الحنجرة ؛ و ظل يزوال به عمله طيلة ستة أشهر و لم يعقه عن شيء من أفعاله يقبل و يدبر في شؤونه حتى الأسبوع الأخير قبل وفاته . 
و قد ذهب إلى السنغال أول الأمر لتطلب العلاج و تشخيص حالته ثم عاد منه و بعدها توجه إلى انواكشوط و قرر الأطباء إجراء عملية جراحية له في الحنجرة و بعد العملية ساءت حالته الصحية و بدأت في التدهور؛ مؤذنة باقتراب لحظة الوداع و دنو ساعة الأجل و الانتقال من دار الفنا إلى دار البقاء ؛ إنها لحظات و لا كأي لحظات !! 
 و هو يغمي عليه ثم يفيق و في كلتا الحالين كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله عز وجل تارة بالقرآن الكريم و تارة بترديد الباقيات الصالحات و أحيانا يجد عافية و استراحة حتى ضحى يوم وفاته ظننته تعافى من مرضه رغم ضعفه البدني؛ لكن مشيئة الله نافذة و لكل أجل كتاب ؛ إنك ميت و إنهم ميتون .
و في ظهر يوم الثلاثاء 20 ستمبر 2011 ؛ و على تمام الساعة الرابعة و عشر دقائق فاضت روحه لتُطْوى بذلك صفحة حياته عن عمر ناهز 87 سنة ؛ و هو في  انواكشوط و دفن فيه ؛ و صلى عليه ابن أخيه الأستاذ المفتش محمد محمود ولد أحمدو ولد أحمد ولد الحارث .

و بوفاته يكون هو آخر من توفي من الجيل الثاني بعد جده العلامة الحارث بن محنض _ رحم لله الجميع _ ؛ و للأمانة فصاحب هذه المعلومة الوالد و الأستاذ و الباحث و الشاعر  الكبير محمد ولد المختار ولد أبنو ولد احميدن _ مد الله في عمره و متعه بالصحة والعافية _ .
فقد سمعتها من فيه حين جاءنا يعزينا في وفاته هو و الجماعة المرافقة له .
و نحن أيضا بكلام محمد هذا  نسدل  الستار على صاحب الترجمة فعسى ما قدمنا يكون وفاء لبعض حقه علينا .
و الله نسأل أن لا يحرمنا الأجر بعده و أن يتغمده بواسع رحماته و أن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيئين و الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .

 

بقلم الأستاذ سيدي عبد الله ولد الحارث

وكالة المنارة الإخبارية