مجلس سهل بن وهران/الدكتوره باته بنت البراء

خميس, 09/23/2021 - 19:02

 

في حديثه عن الكاتب المعروف سهل بن هرون،  الذي تولى ديوان بغداد وكان رئيسا لبيت الحكمة في عهد المأمون، يقدم الجاحظ صورة ساخرة لمجلس هذا المسؤول السياسي والأديب المعروف، في عصر شهد ازدهارا اقتصاديا وثقافيا منقطع النظير، وعرف تشجيعا من طرف الخلفاء وموظفي الدولة لكل أهل الثقافة والعلم، فكان الشعراء والأدباء يرتادون مجالس علية القوم، ويحظون بالإكرام والمكافآت، ولهذا  
فمنزلة سهل بن هرون  السياسية والعلمية تفرض أن يكون بيته مقصدا للزائرين، سواء كانوا طلبة علم أو طلبة مال، كما هو  حال المسؤولين في ذلك الوقت..
يستخدم  الجاحظ حيلة ذكية في إبعاد الشبهة عنه ، فلا يجعل نفسه شاهدا على الحدث، وإنما يروي القصة على لسان أحد الموجودين في المجلس، ثم يقدم التفاصيل، مصورا ردود الأفعال والأقوال بطريقة تعتمد المفاجآت الساخرة. 
تبدأ القصة بانتظار جماعة من الشعراء والأدباء في مجلس سهل بن هرون المائدة، فقد امتد النهار واشتد بهم الجوع، وظلوا يصرون على عدم المغادرة حتى  يحظوا بالغداء مع هذا المسؤول السامي ، وهو ما يجعله بعد تردد وتغافل يطلب الغداء، فتأتي القصة كما يلي:

  "قال دعبل الشاعر: أقمنا عند سهل بن هارون، فلم نبرح حتى كدنا نموت من الجوع , فلما اضطررناه قال: يا غلام، ويلك غدنا.  
فأتى الغلام بقصعة فيها مرق فيه لحم ديك هرم، ليس قبلها ولا بعدها، لا تحز فيه السكين، ولا تؤثر فيه الأضراس.  فاطلع سهل فى القصعة ثم أخذ قطعة خبز يابس، فقلب جميع ما فى القصعة، حتى افتقد رأس  الديك  فبقي مطرقا ساعة، ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال:  
-أين الرأس يا غلام؟ 
فقال الغلام:  رميت به، 
قال: ولم رميت به؟ 
قال: لم أظنك تأكله! 
قال: ولأى شىء ظننت أنى لا آكله ؟ فوالله إنى لأمقت من يرمي برجليه، فكيف من يرمي برأسه، ألم تعلم أن الرأس رئيس الأعضاء وفيه الحواس، ومنه يصدح الديك، ولولا صوته ما أريد، وفيه عرفه الذى يتبرك به، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم أر عظما قط أهش تحت الأسنان من عظم الرأس، أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح، ومن الساق والعنق؟
 انظر أين رميت به؟
قال الغلام: والله ما أدرى أين رميت به! 
قال سهل: ولكنى أدري  أنك رميت به فى بطنك، والله حسيبك".

إن سلسلة المفاجآت المتتالية كانت أساسا في حبكة القصة، لقد استسلم بطل القصة تحت إلحاح القوم و طول جلوسهم ، فنادى على الغلام ليأتي بالغداء، ولا شك أن الحضور كانوا يتطلعون إلى  مائدة  تشمل صنوفا منوعة من خيار الأطعمة، وبمجيئ الغلام تتطور الأحداث لتكشف عن دواخل الشخصيات. 
إن الانتظار الطويل أسفر عن إتيان الغلام بقصعة ليس فيها إلا ديك هرم، فلا مقبلات، ولا فواكه،  ولا أطباق حلويات، ولا شك أن لهذا الحدث تأثيره على المنتظرين الذين سيحبطون أشد الإحباط، ويتمنى كل منهم أن يكون غادر مبكرا  إلى بيته.
غير أن المفاجأة الثانية كانت أشد غرابة من الأولى؛ إن سهلا لم يطلب من ضيوفه التقدم إلى المائدة، بل بدأ يتفقد الديك الهرم ويقلبه بخبزة يابسة، ثم يطرق  حزينا قبل أن ينادي على الغلام.
ولابد أن الجلساء  توقعوا أنه سيلوم الغلام على ما قدم للوزير أمام ضيوفه، ولكن المفارقة الساخرة هي أنه ينادي عليه ليستفسر عن رأس الديك، ليمتد كل ذلك الحديث عنه؛ وهنا تكمن المفاجأة التي فاقت كل التوقعات. 
  ويأتي  الحوار بين البطل والغلام، كاشفا بدقة  عن شخصية سهل بن هرون، وموضحا نفسيته الشحيحة، التي لا يتوقف بخلها عند حد، ولا تعرف للكرم معنى؛  فلم يكفه أن جعل ضيوفه ينتظرون كل هذا الوقت وهم يتضورون جوعا، ولم يهمه أن الغداء المنتظر ليس إلا ديكا هرما؛ لا تخترقه السكاكين ولا الأضراس، وإنما بدأ يسأل الغلام عن رأس الديك ويؤكد أنه يكره  من يرمي برجليه، فكيف من يرمي برأسه.
لقد كشف الجاحظ عن شخصية البخيل، وصورها تصويرا بارعا  في العرض، ولكنه لم  ينس  أن  يصور الجانب الثاني  لشخصيته وهو الأديب،  وذلك  حين يبدأ سهل   يعلل  بذكاء سبب حرصه على الرأس، ويعدد فوائده الكثيرة، ليقنع السامعين بحجته، ويجعلهم ينصفونه في ما ذهب إليه.
فإذا كان الضيوف لم يحصلوا على وجبة غنية، فإنه قدم لهم  معلومات  كانت غائبة عنهم، وذلك لطول باعه في الثقافة حيث  يعرف من فوائد رأس الديك ما يجهله الكثيرون، غير أن هذا  الذكاء في الرد، لا يمكن أن يغطي الشخصية الحقيقية التي تتسم بالبخل والحرص.  

وتأتي القصة مكتملة الحبك ، فالبداية هي انتظار الغداء، ويأتي الانفراج   حين ينادي على الغلام، وهنا تظهر العقدة الأولى وهي أن الغداء ليس إلا ديكا هرما، غير أن العقدة الثانية تظهر حين يفتقد سهل رأس الديك، وتستمر هذه العقدة تتطور من خلال الحوار الطريف بين سهل وغلامه، ويستخدم الجاحظ الاستطراد الطويل على لسان البطل حول  فوائد الرأس ، ليكشف ما يرمي إليه سهل، وما طبع عليه من بخل، وما يقصج من الاسترسال في الحديث ليمل جلساؤه الانتظار، وهم يستمعون إلى حواره مع الغلام ولومه له، فينصرفون دون أن يشاركوه الطعام. 

وهكذا تأتي  النهاية في القصة معلقة،  فأهل  المجلس الذين انتظروا المائدة طويلا، وتحرقوا جوعا،  ظل مصيرهم معلقا حتى النهاية، وترك الجاحظ للمتلقي أن يتصور مآلهم.
  لقد كان الجاحظ  في هذه القصة حاد السخرية، دقيقا في تصوير نفسيات شخصياته، يلونها بالكلمات والحوار، ويرسم بوضوح قسماتها الداخلية، ويغوص  في أعماقها  ليعبر عنها بدقة، من أجل إضحاك القارئ والترويح عنه.  
فقدم نموذجا صريحا لشخصية البخيل الذي لا يتوقف شحه ولا بخله عند حد، وفي نفس الوقت سخر من أديب معاصر له، ورسم له صورة تحط من منزلته الاجتماعية، ومستواه العلمي، حيث أن ثقافته الواسعة، وخبرته في الحياة، لم تمكنه من تهذيب طباعه، ولا التغلب على  العادات السيئة في سلوكه. 
 
و إضافة إلى قيمتها الفنية، فقد حملت الحكاية رسائل عديدة منها الاجتماعي ومنها السياسي؛ لقد رسم الجاحظ  جانبا من الحياة الاجتماعية في ذلك الوقت وما  شاع  فيها من  اختلاف   في العادات الاجتماعية، بسبب تعدد الأعراق واختلاف الأجناس، فإذا كان العرب يفتخرون  بالكرم ويحرصون على إطعام الضيف والاحتفاء به ، فإن العجم  على العكس منهم لم يكونوا يأبهون به، بل يرون في الضيافة إسرافا وتبذيرا.
وإذا كان الشعوبيون من الفرس في عصر الجاحظ  تصيدوا مثالب العرب، ورموهم بالتخلف في الملبس والمظهر، فإن الجاحظ انتصارا للقومية العربية  يرد عليهم ردا ساخرا،  حين يصور الشخصيات المرموقة منهم  بمثل هذا الشح والبخل، ويجعلهم  مثارا للتندر والسخرية بين الناس.ه

وكالة المنارة الإخبارية