المعارف ليست ضرائر!/الأستاذ اللغوي محمد سالم ابن جد

ثلاثاء, 01/18/2022 - 10:32

حوالي عام 2000 كنت عاكفا على حوسبة أحد مؤلفاتي، ولم يكن قد شاع استعمال الحواسيب بعد، وكان لي صديق كثيرا ما رآني مكبا على تلك المهمة، وذات مرة بات معي فرآني في الصباح أحلب شاة لنا فقال متعجبا: "قمة التناقض!" فقلت له: بل قمة الانسجام. وبعد إكمال مهمتي جلست إليه فأوضحت له أن الحياة ذاتها تقتضي ضروبا متباينة في شكلها، لكنها منسجمة في جوهرها، ومنسجمة مع الحياة نفسها.
إن حياة المرء موزعة بين البيت والمهنة، والشارع والمسجد والسوق.. إلخ، ولكل سلوك يناسبه، قد يبدو مناقضا لغيره لكنه ملائم للحال؛ فما يناسب المسجد لا يناسب الحمام، وما يناسب الحمام لا يناسب الصالون، وما يناسب الكل لا يناسب السيارة ولا الطائرة.. وهكذا، ومع ذلك فالكل صواب والمرء هو المرء في الكل.
ليست حالة صاحبي يتيمة ولا معزولة؛ إنها نظرة المجتمع الغريبة، الذي يرى المعارف ضرائر متشاكسات.. فأن تكون طبيبا يلزم أن لا تكون لك علاقة بالفقه ولا بالأدب، وإذا كنت فقيها فبينك وبين الرياضيات حجاب مستور.. وهكذا.
مرة طرح صديقي العزيز الأستاذ الإمام مصطفي عمر سؤالا على صفحته عن المستضدات، فأجبته، وبعد يوم أو أكثر لقيت صديقا لي متعجبا من كلامي وما أدراني بالأمر؟ فقلت له إني مؤهَّل لممارسة الطب الطبيعي لكني لم أرغب فيه، فاستغرب استغرابا قريبا من التكذيب، فأريته مؤهِّلي فازداد استغرابا وصعب عليه استيعاب الأمر. وفي أسفاري العلاجية كثيرا ما حَدّثت صديقا أو قريبا ببعض ما يدور بيني وبين أطباء دكار، فيقول: "هذا گالولك بالحسانية؟" وكأنه لا يرى لي أهلية للحديث بلغة أخرى ولا فهمها.. والأمثلة كثيرة.
المعرفة واحدة في جوهرها متنوعة في مظاهرها، وتنوعها لا يعني تضادا والعلاقة بين أنواعها ليست علاقة تعارض، ثم إنها لا تشغل حيزا محسوسا فيمتلئ أو يضيق؛ بل إن العباقرة (ولست منهم) لا يستعملون إلا جزءا يسيرا من القدرات الذهنية المتاحة! وإذا صلح العقل للاستيعاب لم تكن المعارف – على كثرتها- إلا كمقتضيات الحياة أو كوظائف الجسم التي تعمل دون كلل بأشكال متباينة جدا.. لكن بباعث واحد.
تحامَقَ بيهس، ولكنه ظل أذكى من بعض المعاصرين، فهو القائل:
البس لكل حالة لبوسها ** إما نعيمها وإما بوسها.
ورحم الله الكسائي القائل: "من تبحر في علم اهتدى لجميع العلوم".

 

 

من الصفحة الرسمية للأستاذ محمد سالم ابن جد 

وكالة المنارة الإخبارية