الأيديولوجية والعقيدة/د.محمدعالي الهاشمي

أحد, 09/27/2020 - 23:19

يكثر الحديث عن الأيديولوجيا في هذه الفتره بدلالات ومضامين مختلفة ومتضاربة بين التيارات السياسية والدينية، وكان واضحا انعدام الفهم الصحيح الايديولوجيات في الوقت اللذي يعتبرها البعض عقيده مما ادي الي الاختلاف والتضارب حول الإسلام هل هو أيديولوجيا مثله مثل الأيديولوجيات المعاصرة أم العكس؟ لكن ما لاحظناه أنه تمّ التعاطي مع الإسلام كدين بنوع من الإجحاف والتعسف، إذ اعتبره  أغلب المثقفين المأدلجين "أيديولوجيا" على غرار باقي الأيديولوجيات المعاصرة، ولم يتم التمييز بين كونه ديناً وبين اعتباره فهماً للدين،.

الإسلام دينا وعقيده ثابته وراسخه لاتتغير وصالحه لكل زمان ومكان جاء به الأنبياء والرسل، لكن الإسلام فهمه الناس وطوّروه من تلقاء أنفسهم وهذا التطوير والفهم  خاضع لمصالحهم المتضاربة وظروفهم السياسيه والاقتصادية وثقافاتهم الاجتماعيه .....

ولفهم المقال الابد من تعريف الإيديولوجيا والعقيده 

الايديولوجيا نظام من الأفكار المتداخلة كالمعتقدات والأساطير التي تؤمن بها جماعة معينة أو مجتمع ما، وقد تعكس مصالحها واهتماماتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.

وعلى سبيل المثال بعض الأيديولوجيات قد تنسب الى أنظمة سياسية واقتصادية مثل الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية والديمقراطية والديكتاتورية والفاشية والمساواة بين الجنسين والاجتماعية والعنصرية والكاثوليكية والإخوانيه.... وغيرها، ولا يوجد لأصحاب تلك الإيديولوجيات معلومات حقيقية لدعم ايديولوجيتهم، فهم متمسكون بأفكارهم وتطلعاتهم وآمالهم ويرفضون أي افكار أخرى.

ولعل بالتأمل في ايديولوجيا مجتمعنا وهو مجتمع بدوي محافظ  نجد أن لها علاقة قوية بالتفكير الديني ، وتدعمها  مجموعة من العادات والتقاليد القبلية المبنيه علي اسس دينيه وهذا ماتستفيد منه الايديولوجيه الاخوانيه في نشر خطابها في  مجتمعنا فتأخذ من الدين الخطاب الامامي للتأثير ، باعتبارها تعبيرا عن شكل الحياة السياسيه والاقتصاديه والاجتماعية في ثوب ديني .

اما العقيدة  بشكلٍ عام هي ما يعقد الإنسان عليه قلبه عقداً محكماً لا شكّ فيه، أما العقيدة الإسلامية بشكلٍ خاص فهي: "الإيمان الجازم بالله، وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين وأمور الغيب وأخباره".

 الفرق بين العقيدة والإيديولوجية تشتركان في أمر وتفترقان في آخر:

ــ تشتركان في "الـعـقـد الـقـلـبـي"  وتفترقان في المادة التي يُـعْـقَـدُ عليها ومصدرها.

المسلم  المؤمن بربه ــ جل جلاله ــ يتخذ من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم مَـادَّةً يَـعْـقِـدُ عليها في قلبه.

والإيديولوجي فكر مبتدع ـــ الإيديولوجية تعني الفكرولوجية  يتخذ من فكر البشر مادةً يَـعْـقِـدُ عليها في قلبه!!

وهذا هو السبب الذي جعل بعض المتحجرين يتعصبون لكلام شيوخهم أكتر بكثير من تعصبهم لكلام الله ورسوله

 لقد سمعتُ هاؤلاء المتحجرين مراراً وتكراراً يطعنون في شيوخ  معتدلين طعنا قبيحا وكان سبب طعنهم هو الايديولوجيا لتي علمتهم الجهل والتعصب . 

ومما تقدم نسنطيع القول ان الإيديولوجيا منظومة خاضعة للنقد وللإثبات والنفي، والاختلاف مع أيديولوجيا إسلامية ما، لا يعني الاختلاف مع الإسلام، فيما الأيديولوجيات البشرية نختلف معها اختلافاً كاملاً لأنها إنجاز بشري يدعي لنفسه امتلاك رؤية كاملة لأسئلة الفكر والكون والحياة والاجتماع. أي أن الأيديولوجيا تدعي لنفسها غالباً امتلاك الحقيقة الكاملة، ونحن نرى أن الأيديولوجيا ليس بوسعها امتلاك الحقيقة الكاملة فهي فكره بشرية قابله للنقد والتطوير ، أي انها منظومة تدعي لنفسها الكمال والاكتمال” حسب رإي اصحابها. ونقطة ضعف الأيديولوجيا  تتنافى مع رحابة العقل الإنساني ورؤيته المتجددة والمتحركة دائماً لقضايا الإنسان والسياسة والوجود بصورة عامة، لأنها تحاصر العقل وغالباً تعتبر مقولاتها مقولات نهائية، أي أنها تدعي ما أسمّيه بـ”التمامية”، وبديهي أن مسيرة الفكر البشري هي دائماً في تحوّل وبحث دؤوب، وما أقوله لا ينطبق فقط على الأيديولوجيات البشرية المادية بل حتي الايديولوجيات الدينيه.

وهناك فرق بين منطقين: منطق يتصور الإنسان في الزمن والمكان، ومنطق آخر يتصوره مجرّدا في الذهن لا عن واقع متحرك. “الإنسان حر في افكاره ما يشاء”، لا اختلاف حول هذا المبدأ العام. إلا أن المبدأ شيء، والواقع في تغيّره شيء آخر.

“الإنسان حرُّ في ايديولوجيته”، ولكن! متى؟ وأين؟

“الإنسان يختار ايديولوجيته”، ولكن! هل يختارها مطلقا؟أم أنه لن يكون قادرا على التحرر من اضطراره ودوافعه مهما ادعى ذلك.

لا تُطرَح هذه الأسئلة إلا نادرا، وذلك لأن الناس في تصور “حرية الايديولوجيه” قسمان: من قال بالحرية المطلقة، ومن قال بالإكراه المطلق.

يقرّر الأولون وهْمَهم دون استحضار ما يلي:

– إيديولوجيا الدولة

– التاريخ الخاص للمجتمع

– ظروف النشأة والتربية

– سيكولوجية الايديولوجيه

– النظام الاجتماعي السائد عالميا أو وطنيا…

أما الذين يلونهم فهم جبْريون، يحرمون الإنسان من أدنى قدرة على التفكير والتمييز والترجيح بين اختياري في الايديولوجيه.

وفي الاخير ما أحوجَنا اليوم إلى الأيديولوجيا التي تحترِمُ الإنسانَ وتتعاملُ مع كلِّ لوازِمِهِ بوصفِها دائرةً ومرجعيه  بعيد من التعصب والتجريح والتكفير وتفهم الواقع فهما صحيحا وليست تلك  الأيديولوجيا لتي تساهِمُ في عَسْكَرةِ الحياةِ وإدخالِ الإنسانِ المؤمنِ بها في خطرٍ وجوديّ.

نحن نحتاجُ إلى رؤيةٍ فكرية ـ أيديولوجيا ـ تعتز بالإنسانِ وجوداً وحقوقاً سواءٌ أكان مؤمناً بهما أم لا. ونحتاجُ إلى رؤيةٍ تعملُ على حمايةِ وصيانةِ كلِّ أشكالِ التّنوُّعِ والتعدُّدِ في الحياةِ السياسيه  والاجتماعيةِ والإنسانية.

 

القسم: 

وكالة المنارة الإخبارية